في عالم تتزايد فيه المنافسة على النفوذ، اختارت مصر أن ترسم لنفسها مسارًا مختلفًا داخل القارة الأفريقية؛ مسارًا لا يقوم على استعراض القوة أو سباق المصالح، وإنما على بناء الشراكات وتحويل التنمية إلى لغة مشتركة تجمع الشعوب قبل الحكومات.
فالقاهرة تنطلق من رؤية تؤمن بأن الأمن الحقيقي يبدأ من التنمية، وأن الاستثمار في الإنسان والبنية الأساسية أكثر قدرة على ترسيخ الاستقرار من أي أدوات أخرى. ومن هنا، أصبحت المشروعات التنموية أحد أبرز ملامح السياسة الخارجية المصرية في أفريقيا، في إطار رؤية متكاملة يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي، تستهدف تعزيز التعاون مع دول القارة على أسس تحقق المنفعة المتبادلة.
وخلال السنوات الأخيرة، نجحت مصر في تحويل خبراتها الممتدة في مجالات التشييد والطاقة والري والنقل إلى جسر جديد للتعاون مع الدول الأفريقية، لتصبح الشركات المصرية شريكًا رئيسيًا في تنفيذ العديد من المشروعات الاستراتيجية التي تسهم في تحسين جودة الحياة ودعم خطط التنمية داخل القارة.
ولعل الإشادة التي وجهتها الرئيسة التنزانية بالخبرات المصرية، عندما وصفت المهندسين المصريين بأنهم الامتداد الطبيعي لعبقرية بناة الأهرامات، تعكس حجم الثقة التي اكتسبتها الكفاءات المصرية، بعدما أثبتت قدرتها على إنجاز مشروعات عملاقة وفق أعلى المعايير الفنية والهندسية.
ولا يقتصر الدور المصري على تنفيذ المشروعات فحسب، بل يمتد إلى نقل المعرفة، وتأهيل الكوادر، وتبادل الخبرات، بما يضمن استدامة التنمية داخل الدول الشريكة. وهو ما يمنح التعاون المصري الأفريقي بعدًا أكثر عمقًا من مجرد العلاقات الاقتصادية التقليدية.
ويعد مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا أحد أبرز الشواهد على هذا النهج، إذ يمثل نموذجًا ناجحًا للتعاون بين دولتين أفريقيتين في تنفيذ مشروع تنموي ضخم، شاركت فيه شركات مصرية، في مقدمتها المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، وأسهم في دعم قطاع الطاقة وتعزيز فرص التنمية الاقتصادية في تنزانيا.
وفي الوقت الذي تتجه فيه قوى دولية كبرى إلى تكثيف حضورها في أفريقيا عبر الاستثمار في الموارد الطبيعية والممرات التجارية، تتمسك مصر بنهج مختلف يقوم على احترام أولويات الدول الأفريقية، والعمل معها كشريك في التنمية، وليس كمجرد ساحة للتنافس الجيوسياسي.
ويستند هذا التوجه إلى إرث تاريخي طويل من العلاقات المصرية الأفريقية، بدأ بدعم حركات التحرر الوطني، وامتد إلى المشاركة الفاعلة في العمل الأفريقي المشترك، قبل أن يشهد دفعة جديدة خلال السنوات الماضية عبر توسيع التعاون الاقتصادي، وتنفيذ مشروعات البنية التحتية، وتعزيز التكامل الإقليمي.
كما تؤكد القاهرة باستمرار أن دعم جهود التنمية في دول حوض النيل لا يتعارض مع الحفاظ على حقوقها المائية، بل إن تحقيق التنمية المشتركة يمثل مدخلًا لتعزيز الاستقرار، وبناء الثقة، وخلق مصالح متبادلة تخدم جميع شعوب المنطقة.
وقد رسخ الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا المفهوم خلال رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي عام 2019، عندما أكد أن مواجهة الإرهاب، والهجرة غير النظامية، والفقر، والنزاعات المسلحة، تبدأ من توفير فرص التنمية وتحسين الظروف الاقتصادية، باعتبار أن التنمية المستدامة تمثل خط الدفاع الأول عن الأمن والاستقرار.
ومن هذا المنطلق، واصلت مصر دعم تنفيذ أجندة أفريقيا 2063، والمشاركة في مشروعات البنية الأساسية، وتعزيز الربط الإقليمي، ونقل الخبرات الفنية، بما يعكس التزامًا حقيقيًا بدعم مستقبل القارة.
واليوم، لم تعد دبلوماسية التنمية مجرد عنوان للسياسة المصرية في أفريقيا، بل أصبحت واقعًا تترجمه الطرق التي تُشيد، ومحطات الكهرباء التي تُقام، وشبكات المياه التي تصل إلى المجتمعات، والكوادر التي تُدرب، والشراكات التي تُبنى على الثقة والاحترام المتبادل.
وفي ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، تبدو التجربة المصرية نموذجًا يؤكد أن النفوذ الأكثر استدامة لا يُصنع بالضغوط أو المنافسة، وإنما بالقدرة على المساهمة في تحسين حياة الشعوب، وترسيخ التنمية باعتبارها الأساس الحقيقي للاستقرار والسلام في القارة الأفريقية.